محمد الحفناوي

184

تعريف الخلف برجال السلف

ابن الخطاب رضي اللّه عنه ، واقفا على رأسه بيده سيف أو عصى ، فهزها على رأسه وهدده بها ، وكأنه قال : ما هذا الخوف من الناس فأصبح وقد زال حزنه ، واشتد قلبه على المنكرين ، فخرست حينئذ ألسنتهم ، فحلم عنهم وسمح ، فأقروا بفضله ، وبلغ من شفقته أنه مر به ذئب يجري معه الصياد والكلاب ، فحبسوه وذبح ، فوصل إليه ملقى على الأرض فبكى ، وقال : لا إله إلّا اللّه ، أين الروح التي يجري بها ، وسمعته يقول : ينبغي للإنسان أن يمشي برفق ، وينظر أمامه لئلا يقتل دابة في الأرض ، وإذا رأى من يضرب دابة ضربا عنيفا تغير ، وقال لضاربها : ارفق يا مبارك ، وينهى المؤدبين عن ضرب الصبيان ، وسمعته يقول : للّه تعالى مائة رحمة ، لا مطمع فيها إلا لمن اتسم برحمة جميع الخلق وأشفق عليهم ، وما رأيته قط دعا على أحد إلّا مرة رأى في مسكن منكرا ، لا يقدر على صبره ، فغضب ودعا عليه بالخلا ، فنفذ في أقرب مدة ، وأتاه في مرضه بعض من يذمّه من علماء عصره ، فطلب منه أن يسمح له فسمح له ودعا له ، ولما مات ، بكى عليه هذا العالم شديدا وتألم ، ومتى ذكره بكى ، ويقول : فقدت الدنيا بفقده ، وسمعته يثني كثيرا على رجلين من علماء عصره ممن يذمونه ويسيئون إليه ، وكان يصلح بين الخصوم ، ويقضي الحوائج . ذكر أنه كتب يوما ثلاثين كتابا بلا فترة ، قال : كلفني بها إنسان لم أقدر على رده ، قال : ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بعدة أسفار ، وهذه مصائب ابتلينا بها ، ومن صبره كثرة وقوفه مع الخلق ، ولا يفارق الرجل حتى ينصرف ، وهذا كله مع إدامة الطاعات ، وسداد الطريقة ، وشدة التحرز ، والإسراع بوفاء حقوق العباد قبل استحقاقها ، إذا استعار كتابا رده في أقرب مدة قبل طلب صاحبه ، وربما كان سفرا ضخما لا يمكن مطالعته إلّا في ثلاثة أيام ، فيطالعه في يوم واحد ويرده ، وكان يأمر أهله بالصدقة سيما وقت الجوع ، ويقول : من أحبّ الجنة فليكثر الصدقة